عبد القاهر الجرجاني

277

دلائل الإعجاز في علم المعاني

ومن شأن ما غمض من المعاني ولطف ، أن يصعب تصويره على الوجه الذي هو عليه لعامّة الناس ، فيقع لذلك في العبارات التي يعبّر بها عنه ، ما يوهم الخطأ ، وإطلاقهم في " الاستعارة " أنها " نقل للعبارة عمّا وضعت له " ، من ذلك ، فلا يصحّ الأخذ به . وذلك أنّك إذا كنت لا تطلق اسم " الأسد " على " الرجل " ، إلا من بعد أن تدخله في جنس الأسود من الجهة التي بيّنّا ، لم تكن نقلت الاسم عما وضع له بالحقيقة ، لأنك إنّما تكون ناقلا ، إذا أنت أخرجت معناه الأصليّ من أن يكون مقصودك ، ونفضت به يدك . فأمّا أن تكون ناقلا له عن معناه ، مع إرادة معناه ، فمحال متناقض . واعلم أن في " الاستعارة " ما لا يتصوّر تقدير النقل فيه البتّة ، وذلك مثل قول لبيد : [ من الكامل ] وغداة ريح قد كشفت وقرّة * إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها " 1 " لا خلاف في أن " اليد " استعارة ، ثم إنك لا تستطيع أن تزعم أنّ لفظ " اليد " قد نقل عن شيء إلى شيء . وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبّه شيئا باليد ، فيمكنك أن تزعم أنه نقل لفظ " اليد " إليه ، وإنما المعنى على أنه أراد أن يثبت للشّمال في تصريفها " الغداة " على طبيعتها ، شبه الإنسان قد أخذ الشيء بيده يقبله ويصرّفه كيف يريد . فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد ، استعار لها " اليد " . وكما لا يمكنك تقدير " النقل " في لفظ " اليد " ، كذلك لا يمكنك أن تجعل الاستعارة فيه من صفة اللفظ . ألا ترى أنه محال أن تقول : إنه استعار لفظ " اليد " للشّمال ؟ وكذلك سبيل نظائره ، مما تجدهم قد أثبتوا فيه للشيء عضوا من أعضاء الإنسان ، من أجل إثباتهم له المعنى الذي يكون في ذلك العضو من الإنسان كبيت الحماسة : [ من الطويل ] إذا هزّه في عظم قرن تهلّلت * نواجذ أفواه المنايا الضّواحك " 2 " فإنه لما جعل " المنايا " تضحك ، جعل لها " الأفواه والنواجذ " التي يكون الضّحك فيها وكبيت المتنبّي : [ من الطويل ]

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 230 ) ط ، دار القاموس الحديث ، وأورده القزويني في الإيضاح ( 277 ) ، والمبرد في الكامل وعزاه للبيد ، وأساس البلاغة ( يدي ) . والبيت من معلقته المشهورة ، والقرة والقر : البرد ، يقول : كم من غداة تهب فيها الشمال وهي أبرد الرياح ، وقد كففت عادية البرد عن الناس بنحر الجزر لهم . ( 2 ) البيت لتأبط شرا في شرح الحماسة للتبريزي ( 1 / 49 ) ، القرن بالكسر : المثل والكفؤ ، وتهللت : لاحت وظهرت من البشر والسرور .